top of page
Aerial View of Hurdler

النشرة الأولمبية

صناعة البطل الرياضي.. مسيرة لا لحظة

Jan 22, 2026

لا تُولد البطولة في لحظة تتويج، ولا تختزل في صورة على منصة الشرف، بل تتشكل عبر مسار طويل من العمل الصامت والتخطيط الدقيق. فما يبدو للجمهور إنجازا خاطفا هو في حقيقته حصيلة سنوات من الإعداد المنهجي المتدرج، حيث تتقاطع الرؤية مع الصبر، ويُصاغ النجاح خطوة بعد أخرى. فالبطل ليس نتاج الموهبة الفطرية وحدها، بل ثمرة صناعة احترافية واعية، تبدأ من الاكتشاف المبكر، وتمتد حتى بناء شخصية قادرة على ترك أثر يتجاوز حدود المنافسة.

وتنطلق هذه الصناعة من لحظة أولى قد تبدو عادية في ظاهرها طفل يمتلك حسا مختلفا في اللعب أو ناشئ يظهر انسجاما لافتا مع أدوات اللعبة. غير أن الاكتشاف الحقيقي لا يعني البحث عن نجم جاهز بل عن مشروع إنساني قابل للتشكل يمتلك شغف التعلم واستعدادا نفسيا قبل أي تفوق بدني. فهذه المرحلة تمثل الأساس الذي يبنى عليه المسار بأكمله إذ إن الموهبة التي لا تكتشف في وقتها قد تضيع وتلك التي لا تحتضن برؤية واضحة قد تنطفئ قبل أن تبلغ أوجها.

لكن الموهبة مهما بدت واعدة تظل مجرد إمكانية خام ما لم تصقل ضمن إطار علمي منضبط.

وهنا تبدأ مرحلة التكوين الفني حيث تتحول الإمكانات إلى مهارات والاندفاع إلى انضباط ثم مدرب مؤهل وبرنامج تدريبي مبني على أسس علمية وبيئة إيجابية تحفز التطور بدل أن تستنزفه كلها عناصر تصنع الفارق في هذه المرحلة لا يتعلم اللاعب تقنيات اللعب فحسب بل يكتسب منظومة قيمية تشمل الالتزام واحترام الوقت والعمل الجماعي. ويغدو التدريب عملية بناء متدرجة للذات لا عبئا مفروضا ولا ممارسة شكلية.

ومع تراكم الخبرة وارتفاع المستوى الفني يبرز التحدي الأهم والأكثر حساسية وهو البناء النفسي والسلوكي فكثيرون يبلغون مستوى جيدا في الأداء لكن القليل فقط يصمد حين تبدأ الضغوط الحقيقية. من الإخفاق والنقد والمنافسة الشرسة وأحيانا الشهرة المبكرة كلها اختبارات تكشف الفارق بين لاعب موهوب وبطل ناضج فالقيمة الحقيقية للبطل لا تقاس بما يقدمه في الظروف المثالية بل بقدرته على التحكم في ذاته تحت الضغط واستيعاب الخسارة دون انهيار وتحويلها إلى دافع للتطور.

هذا التوازن النفسي هو الحصن الذي يحمي الموهبة من الاحتراق ويمنحها القدرة على الاستمرار.

وعند الانتقال إلى المستويات العليا تتبدل طبيعة التحديات وتصبح التفاصيل الصغيرة عوامل حاسمة. فالتغذية العلمية وبرامج الاستشفاء وتحليل البيانات وإدارة الوقت لم تعد كماليات بل مكونات أساسية في منظومة الاحتراف.

هنا تتحول الرياضة من شغف وهواية إلى مهنة تدار بعقلية دقيقة حيث يعمل اللاعب ضمن فريق متكامل يشمل الطب الرياضي والتحليل الفني وعلم النفس والتخطيط طويل الأمد والأداء العالي لم يعد وليد الجهد البدني فقط بل نتيجة تناغم شامل بين الجسد والعقل والمنهج.


غير أن بلوغ القمة لا يعني اكتمال الرحلة بل بداية مسؤولية أعمق فالبطل الحقيقي لا يُعرف بعدد ألقابه فقط بل بقدرته على الاستدامة وبما يقدمه من نموذج أخلاقي داخل الملعب وخارجه. واللاعب الذي يكتفي بالنتائج يظل رقما في الأرشيف أما الذي يلهم الآخرين بسلوكه وقيمه فيتحول إلى قدوة وإرث. وهنا تتجلى البطولة بوصفها رسالة تربوية واجتماعية لا مجرد إنجاز فردي عابر.


وإذا بدت هذه الرحلة شاقة ومعقدة فذلك لأنها لا تقع على عاتق اللاعب وحده فصناعة البطل مسؤولية منظومة كاملة اتحاد يمتلك رؤية استراتيجية طويلة الأمد بكل مكوناته وأندية توفر بيئة احترافية حقيقية وإعلام واعٍ ينصف التجربة ولا يختزلها وأسرة داعمة تؤمن بالمسار دون أن تثقل كاهله بالضغوط حين ندرك أن البطولة مشروع متكامل لا ضربة حظ سنتوقف عن انتظار المعجزات السريعة ونبدأ في بناء مستقبل رياضي مستدام فالأبطال لا يولدون أبطالا بل يصنعون بالعلم والصبر والإرادة وحوكمة رشيدة.


الدكتور

نبيل محمد بن عاشور

عضو مجلس إدارة اللجنة الاولمبية

bottom of page